ثورة علمية جديدة، هل اقتربنا من العلاج؟
- Nagham Jaradat

- 8 يناير
- 3 دقيقة قراءة
في الأساطير اليونانية القديمة حكاية عن وحشٍ اسمه الكيميرا (Chimera)، مخلوق مخيف يحمل أجزاء من حيواناتٍ مختلفة: رأس أفعى، وأسد، وماعز جبلي، وربما جناح تنين، وجسدٌ مركب من تلك الكائنات!
قد يبدو هذا خيالياً، لكن شيئاً مشابهاً له قد تحقق بالفعل في مسرحٍ مجهريٍ مصغّر، ثم تحول المسرح إلى واقع. سلسلةٌ من التجارب كانت كفيلة بأن ترسي أساسات لأسلوبٍ علاجيٍّ جديد، علاج ثوري لأكثر الأمراض إرباكاً... هو العلاج المناعي للسرطان.

علاجٌ حديثٌ نوعاً ما، وهو علاج يستهدف الجسد المريض نفسه بدلاً من استهداف المرض. بالطبع لا يستهدف الجسد للقتل أو التحييد، بل للدعم والمساندة ضد المرض. إنه بطريقةٍ ما يجعل الجسد قادراً على الاعتماد على نفسه، أو بتعبيرٍ أدق، الاعتماد على قدراته الدفاعية وخلاياه المناعية للمقاومة والتخلص من المرض. قد يبدو كلامي مبعثراً، لكن كل شيء سيصبح واضحاً في نهاية المقال.
الجهاز المناعي والمصطلحات الأخرى هنا مثل "المناعة" و"الخلايا المناعية" أعني بها المنظومة المتكاملة التي تقاوم مسببات الأمراض. جزءٌ منها خلايا تراقب الجسم باستمرار، حيث تستطيع تمييز الأجسام الغريبة التي تدخل الجسم مثل البكتيريا والفيروسات، أو الخلايا غير الطبيعية التي بدأت تتحول إلى أورام.
ولكن، حينما يكون المرض أقوى من جهاز المناعة، أو يمتلك أساليب خادعة للتخفي، يحدث المرض وننتقل إلى مرحلة البحث عن العلاج. العلاج السائد يهدف إلى قتل الخلية المصابة مباشرة أو قتل مسبب المرض. أما في مجال العلاج المناعي، فالعلاج يعني التركيز على قدرات جهاز المناعة وتعزيزها لتعمل ضد المرض.
يمكننا اختصار عمل جهاز المناعة ببساطة على النحو الآتي:
يتعرف الجهاز المناعي على مسبب المرض أو الخلية المصابة بطريقةٍ ما، مثل التعرف على البروتينات التي تكون على سطح الخلية والتي تسمى المستضدات (Antigens). تدلل المستضدات على وجود جسمٍ غريب غير مرغوبٍ فيه، ثم يهاجم جهاز المناعة هذا الجسم الغريب ويتخلص منه.
إن أساليب التخفي التي تتقنها الخلايا السرطانية تجعل الأورام أو السرطان مرضاً يضعف أمامه جهاز المناعة فلا يقوى على مقاومته، وذلك بسبب اتباعها لأساليب التخفي؛ فتغيّر بروتيناتها السطحية، أو تفرز موادّ تُثبّط المناعة، أو تستغل أجزاءً من جهاز المناعة نفسه لتجعل الخلايا المناعية تتوقف عن مهاجمتها. ثم تستمر الأورام بالانقسام والتمدد عبر الجسد وداخله.
أما ما يفعله العلاج المناعي هو إعادة تنشيط جهاز المناعة ليصبح فعالاً بالرغم من الأساليب الخادعة للخلايا السرطانية.
أما عن أنواع العلاج، فأولها اللقاحات، لكنها تختلف عن اللقاحات المعهودة بكونها تحفّز جهاز المناعة ضد الورم وليس ضد فيروس أو بكتيريا. يحمل اللقاح المناعي(Cancer vaccine) مستضداتٍ ورمية (Tumor antigens)خاصة بالورم، يتعرف عليها جهاز المناعة ويحفظ شكلها وتركيبها، وعندما يصادف بداية تشكل لما يشابهها، يهاجمها بسرعةٍ أكبر وفعاليةٍ أعلى فيقضي عليها، كونه يعرفها مسبقاً فهو مستعدٌ لمواجهتها.
نوع آخر من العلاج يستخدم الفيروسات، حيث تتم إزالة الجينات المسببة للمرض منها والإبقاء على الجينات المحفزة لجهاز المناعة، ثم يتم توجيهها نحو الخلية السرطانية فتهاجمها وتحفّز جهاز المناعة فتعزز عمله ضد الورم. وتسمى هذه الفيروسات المعدلة "الفيروسات المحللة للورم (Oncolytic viruses).
وهناك نوع آخر من العلاج يعمل على تثبيط نقاط التفتيش المناعية (Immune checkpoints) وهي بروتيناتٌ على سطح الخلايا المناعية تمنع جهاز المناعة من مهاجمة خلايا الجسم الطبيعية. يقوم العلاج على تثبيطها في حالة وجود الورم لأن الخلايا السرطانية تستغلها، فترسل إشاراتٍ عبرها لتجعل الخلايا المناعية تتوقف عن مهاجمتها. وبتثبيط هذه البروتينات تستعيد الخلايا المناعية وظيفتها في مهاجمة الخلية المريضة.
والآن، ماذا عن الوحش الأسطوري في بداية المقال؟
البطل المناعي الذي تم تطويره وسُمّي بالفعل على اسم وحش الكيميرا، هذا العلاج هو العلاج الكيميري بالخلايا المسماة ب (CAR-T)، ويسمىChimeric) Antigen Receptor T-cell therapy).
يتم العلاج عن طريق أخذ خلايا مناعية هي الخلايا التائية (T-cells) من دم المريض، ثم تعديلها في المختبر بإضافة مستقبلٍ خاص يسمى Chimeric Antigen) (Receptor، وهو بروتين مكون من أجزاء مختلفة تمكن الخلايا التائية من التعرف على بروتينٍ محددٍ على سطح الخلية السرطانية، فتلتصق بها ثم تقتلها بكفاءةٍ عالية. تنبع كفاءتها من المستقبل المكوّن من أجزاءٍ متعددة، كل جزءٍ يساهم في مهاجمة الخلية بطريقةٍ معينة، كوحش الكيميرا. بعد تعديل الخلايا التائية بالطريقة المذكورة، تُعاد إلى جسد المريض وتبدأ العمل في المكان المحدد للخلية السرطانية.
يتفوق العلاج المناعي للسرطان على العلاج الكيماوي أو الإشعاعي في كونه موجهاً ودقيقاً نحو الخلايا السرطانية فقط، فبينما يشبه العلاج الكيماوي قصفاً واسع النطاق، يحاول العلاج المناعي أن يكون قناصاً ذكياً. كما يمنح حمايةً طويلة الأمد إذا نجح، لكنه ما زال في بداياته، ولا يمكن القول إنه واضحٌ تماماً أو معتمدٌ على نطاقٍ واسع، بل هو في المراحل الأولى وما زالت التجارب جاريةً لتطويره.
أظهر العلاج المناعي نتائج جيدة في بعض أنواع السرطان، كسرطان الجلد وبعض سرطانات الدم، لكنه لا يصلح بعد لجميع أنواع السرطان. كما أن له أعراضاً جانبية مقلقة، فالتحفيز المفرط لجهاز المناعة قد يؤدي في النهاية إلى مهاجمته للخلايا السليمة، وقد يسبب طفحاً جلدياً وأعراضاً أخرى لا يمكن التغاضي عنها.
ففي مواجهة السرطان، يُظهر كلٌّ من العلاج الكيماوي والعلاج المناعي أعراضاً جانبيةً تجري الأبحاث للتغلب عليها والتحكم بها. ومن النوعين ظهر نوعٌ جديدٌ هو العلاج المركب، والذي يستخدم أنواعاً من العلاجين الكيماوي والمناعي معاً، وهو علاجٌ واعدٌ يحمل أملاً بعلاج أقوى لأنواع كثيرة من السرطان.
ونأمل في المستقبل القريب أن يكون مسار العلاج المناعي والعلاج المركب متاحاً وناجحاً.


تعليقات