top of page

تقنية CRISPR: ثورة ضد الجينات الفاسدة!

كانت التجارب الأولى للطيران، مستوحاة من تركيبة الطيور وأجنحتها، في البدايات، كان تقليد الطيور مستحيلاً وكان من يحاول ذلك مجنوناً. واليوم في عالم التقانة الحيوية لا يختلف الحال كثيراً، إذ يمكن لدراسة أي ظاهرة أو كائن، أن تفضي إلى اكتشاف ثوري وتطوير أنظمة جديدة تحاكي أنظمة كانت في الأصل مقتصرة على كائن ما أو ظاهرة ما.

إنني أتحدث هنا عن التعديل الجيني، وبالتحديد تقنية تدعى تقنية كرسبر.



بدأ الأمر عندما كانت الأبحاث جارية على أحد أنواع البكتيريا، حيث تمت دراسة المادة الوراثية (DNA) لها، وهي الجزء المسؤول عن الصفات النهائية للكائن الحي وهي تحدد تركيب كل خلايا جسده. يتكون ال DNA من شريطين يلتفان حول بعضهما البعض، ويتكونان من رموز مكملة لبعضها، إذ يلتصق الشريطان عن طريق ارتباط كل جزء منهما بحيث تكون الرموز فيها مكملة للأخرى، فهي مثل القابس والمقبس، وبطريقة ما، يعتبر كل رمز مكملاً لرمز آخر محدد في الشريط الآخر، إنها مثل لغة خاصة محددة. خلال دراسة هذه التركيبة الوراثية في البكتيريا، لاحظ العلماء وجود مناطق فاصلة بين المناطق المعروفة في شريطي ال DNA، وهي مناطق مكررة قصيرة متجمعة متباعدة بانتظام ومتناظرة. اتضح أن هذه المناطق تعمل كذاكرة مناعية ضد الفيروسات التي تهاجم البكتيريا والمعروفة ب"العاثيات".


عند دخول فيروس جديد لمهاجمة البكتيريا، تقوم بقطع جزء من الحمض النووي الفايروسي ثم إدخاله في منطقة فاصلة تدعى CRISPR ليخزن الحمض النووي للفيروس في الذاكرة، وذلك باستخدام بروتينات تدعى Cas1 و Cas2، حيث يتم نسخ المنطقة إلى شريط منفرد من المادة الوراثية يسمى RNA , ثم يتم قطعه لإنتاج crRNA وهي سلسلة قصيرة تحمل تسلسلات منطقة CRISPR، ترتبط هذه التسلسلات مع بروتينات Cas فيتشكل مركب وظيفته التعرف على الحمض النووي الغريب والمطابق للتسلسل المخزن.


عندما يهاجم فيروس من نفس النوع البكتيريا مرة أخرى، تتذكره البكتيريا فيقوم المركب المتشكل مسبقاً بقطع الحمض النووري الفيروسي مما يعطل نشاط الفيروس. هذه طريقة تتذكر فيها البكتيريا أعداءها القدامى وتكتسب من خلالها مناعة ضدهم. بطريقة ما، تتعرف البكتيريا على الحمض النووي الغريب، وتستخدم لذلك بروتينات وانزيمات خاصة.


ألهمت هذه القدرة العلماء، ثم بدأوا التفكير بإمكانية الاستفادة منها في كائنات أخرى. ما تم التفكير فيه هو التعديل الجيني، فإذا كان لدينا جزء غير سليم في الحمض النووي لكائن حي ما، الإنسان مثلاً، فهذا الجزء غير السليم في الشريط المزدوج (DNA)  يتسبب بتعطيل وظيفة ما أو بظهور مرض ما. فماذا لو تمكنا من قطع هذا الجزء من الشريط، وماذا لو تمكنا من استبداله بجزء سليم؟


نظرياً، تبدو فكرة ثورية، وفاعلة في علاج العديد من الأمراض والأمراض الوراثية بالتحديد، لدينا جزء معطل هنا، إذن نقطعه ونتخلص منه، ثم نستبدله بآخر سليم! لكن عملياً، علينا التفكير في كيفية تمثيل هذه التقنية في كائن مختلف عن البكتيريا، وتحضر الكثير من التساؤلات هنا، أسئلة من قبيل: ماذا لو حصلنا على التركيبة المناسبة لقطع المناطق غير السليمة، كيف سيتم إدخالها في المنطقة المراد إصلاحها، وكيف نضمن أنها لن تقوم بقطع جزء آخر سليم، ثم كيف نضمن أنه لن يتبعها طفرات جديدة في الحمض النووي... هذه التساؤلات وغيرها تعتبر جوهرية، ولحسن الحظ، تمكن العلماء من تخطي معظم هذه العقبات، ومع تقدم التكنولوجيا يكتسب علم الأحياء داعماً قوياً، إذ حصلت في السنوات الأخيرة تطورات وتجارب طبقت فيها التقنية ونجحت في بعض الحالات، دون مشاكل حتى الآن.


يمكن تلخيص آلية عمل تقنية CRISPR بشكل بسيط كالتالي: ما يتم إدخاله إلى جسد الكائن الحي هو تركيبة من gRNA وهو ما يشير الى الحمض النووي الرايبوزي المرشد -سلسلة منفردة من الحمض النووي-، ويقوم هذا الجزء بتحديد التسلسل المراد قطعه، حيث يتم إدخال الجزء المتمم للتسلسل الخاص بالمنطقة غير السليمة في جزء منه ليقوم بالتعرف عليها.


يضاف الى gRNA أيضاً المقص، وهو البروتين المسمى Cas 9 endonuclease وهو المسؤول عن قطع المنطقة غير السليمة بعد التعرف عليها. ما يحدث بعد ذلك هو إما ترك الحمض النووي كما هو والاكتفاء بإزالة الجزء غير السليم لتتولى الخلية استكمال الإصلاح بآليات معينة، أو إدراج سلسلة DNA فعالة جديدة بطريقة ما.


يمكن استخدام هذه التقنية في علاج امراض مثل الثلاسيميا وفقر الدم وغيرها. مؤخراً وخلال العام ٢٠٢٥، تم استخدام تقنية كرسبر في تصحيح طفرة وراثية في أحد انزيمات الكبد لطفل رضيع، حيث  تم علاج الطفل KJ Muldoon من مرض نقص إنزيم CPS  (CPS1 Deficiency) وهو اضطراب وراثي نادر يهدد الحياة. حتى اللحظة، تعتبر العملية ناجحة حيث أصبح يتحمل كميات بروتين أكبر ويحتاج دواء أقل، دون وجود آثار جانبية خطيرة.


لا تقتصر استخدامات تقنية كرسبر على المجال الطبي، بل تتوسع لتطال مجالات زراعية مثل تطوير محاصيل مقاومة للجفاف والأمراض، كما يمكن استخدامها في تطوير أصناف غذائية، بل تمتد تطبيقاتها إلى تعديل الحيوانات لتحسين صحتها وإنتاجيتها، ولا أنسى المجال البيئي حيث قد نشهد تطوير ميكروبات تحسن من جودة التربة أو جودة الهواء، فيمكننا إذن وصفها بأنها تقنية واسعة الحيلة، ومتعددة الاستخدامات.


رغم التطورات الكبيرة لتقنية كرسبر، إلا أن التطبيق العملي والاعتماد عليها ما زال في البدايات، وما زالت بعض التساؤلات تطرح بخصوصها في ظل التحديات القائمة، منها ما هو متعلق بالنتائج المستقبلية التي قد تظهر بعد مدة طويلة من علاج الكائن جينياً، ومنها ما هو متعلق بالأخلاقيات والتعديل لا بهدف العلاج بل بهدف الوقاية أو التحسين، ربما لن نعرف الكثير عن مستقبل التقنية، لكننا نعرف أنها تتطور باستمرار، وأنها قد تكون علاجاً معتمداً وناجحاً لكثير من الأمراض الوراثية.

 
 
 

1 Comment

Rated 0 out of 5 stars.
No ratings yet

Add a rating
Hamza Othman
Hamza Othman
Oct 14, 2025
Rated 5 out of 5 stars.

جهد مبارك وأكثر من رائع بانتظار ما هو جديد 👏

Like
bottom of page